AddThis Social Bookmark Button

حامد الساعدي ... صحفي عراقي

مزاجية العقيدة في الديمقراطية العراقية

“  كيف لنا ان نتصور دولة منسجمة في العقيدة والفكر بين افراد شعبها بانها دولة اتحادية فيدرالية فما جدوى لقاء شعبها في المعتقد اذن وهم مختلفون من حيث المبدأ على الارض..؟”

حامد الساعدي.

لايمكن القول بان الاراء غير منقسمة حول المبادئ الاساسية للديمقراطية التي تعني في الغالب  ان يكون اصلها دلالة على حكم الشعب لنفسه، لكن كثيرا ما يطلق اللفظ علَى الديمقراطية بمعنى تكافل حرية الجميع دون استثناء

وهو خلاف النظام السائد للديمقراطية بحسب الخبراء، وبهذا يكون استخدام لفظ "الديمقراطية" لوصف (الديمقراطية الليبرالية) خلطا شائعا في استخدام المصطلح سواء في الغرب أو الشرق، فالديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم السياسي قائمٌ بالإجمال علَى التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثريّة بينما الليبرالية تؤكد على حماية حقوق الأقليّات والأفراد، وهذا نوع من تقييد الأغلبية في التعامل مع الأقليات والأفراد بخلاف الأنظمة الديمقراطية التي لا تشتمل على دستور يلزم مثل هذه الحماية والتي تدعى بالديمقراطيات اللاليبرالية، فهنالك تقارب بينهما في امور وتباعد في اُخرى يظهر في العلاقة بين الديمقراطية والليبرالية كما قد تختلف العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية باختلاف رأي الأغلبية.

ويطلق مصطلح الديمقراطية أحيانا على معنى ضيق لوصف نظام الحكم في دولة ديمقراطيةٍ، أو بمعنى أوسع لوصف ثقافة مجتمع. والديمقراطيّة بهذا المعنَى الأوسع هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ويشير إلى ثقافةٍ سياسيّة وأخلاقية معيّنة تتجلى فيها مفاهيم تتعلق بضرورة تداول السلطة سلميا وبصورة دورية.

في الدولة الديمقراطية تبدأُ فكرة التوازن من أنّ مصالح الأكثريّة قد تتعَأرضُ مع مصالح الأقليّات والأفراد بشكلٍ عام، وأنّهُ لا بد من تحقيق توازن دقيق ومستدام بينهما (ومن هنا فكرة الديمقراطية الليبرالية)، تتمدَّد هذه الفكرة لتشملَ التوازن

بيَن السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائِيّة، وبين المناطق والقبائِل والأعراق (ومن هنا فكرة اللامركزيّة)، وبين السلطات الدينيّة والدنيوِيّة بمعنى ضمان وجود فكرة العلمانية.

ومع ذلك يذهب فريق من الباحثين في تفصيل الديمقراطية على انها حق الشعب بمفهوم عام في تداوله للسلطة، الشعب بالوانه العرقية، والمذهبية، والقومية، وهو تعريف غير ناضج لمحتوى الديمقراطية التي عرفناها بانها تتعارض مع الليبرالية وقلنا ان الاجدر في تحقيق العدالة الاجتماعية توفير نظام ديمقراطي ليبرالي للبلدان التي تطالب بتغيير نظامها.

وعلى هذا النحو حاول نظام الحكم في العراق ان يركز بعد التغيير الذي شهده البلاد في عام 2003 على ان تكون انواع الحريات في الفكر والعقيدة والرأي امور اساسية يتعاطى معها دستور جمهورية العراق الجديدة بشكل يض

من لها حق التنوع والتجانس في آن واحد، وحتى تكون مصادر الحرية مكفولة في العراق رأت الاطراف التي كتبت الدستور بان الطريق الذي اغلق امام الناس منافذ التعبير عن الرأي، لا بد ان يتيح لهم ذلك الحق المغبون لفترات تجاوزت الثلاث عقود .

الدستور الحديث للعراق نجح في تصادم مفهومين مختلفين متقاربين لفظا (ديمقراطية سياسية) و (ديمقراطية شعبية)، فحين حدد الدستور الذي ينبغي ان يكون مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد نظام وشكل الحكم في الدولة، وينظم السلطات الثلاث ويحدد اختصاصاتها، ويبين حقوق الافراد وواجباتهم، وينبثق عن الدستور مجموعة من القوانين والأنظمة والتعليمات لتنفيذ مواده. حدد في الباب الاول من المبادئ الاساسية المادة (2): ان الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر اساس للتشريع.

بهذه الشمولية في التعريف المعتقدي لدين الدولة اخفق المشرع للدستور في الية التعاطي مع المبادئ الاساسية لتعريف مفهوم الدولة بعد حكم (صدام)، فلا ادري أي مفصل من مفاصل الدولة يقصد الدستور بمعتقدها مصدر اساس للتشريع، هل هي الاقليم التي تعتبر كيان اعتباري لمصاديق الدولة ولايمكن على الاطلاق نسب معتقد معين لاقليم من الاقاليم بمعنى ان من المستحيل ان نتخيل ارضاً لها حدودا جغرافية تعتقد بدين.

ام الدستور يقصد بدين الدولة هي السلطة التي تتكون من مفاهيم ذهنية تنسب لمصاديق واقعية على مناصب سيادية وحتى هذا الامر بعيد عن متناول المشرع لمفهوم المعتقد الرسمي للدولة أي لا يمكن ان نتخيل منصب وزاري او سيادي او نيابي له دين او معتقد.

بقي احتمال آخر وهو ان مفهوم الدين الرسمي للدولة يقصد به الشعب الذي يعد احد اهم مفاصل الدولة الذي اذا ما غاب عن اقرانه من المفاهيم الاخرى للدولة (الاقليم والسلطة) لايمكن ان نؤمن بوجود دولة ما، واذا ما اعتقدنا بدولة الشعب الكهنوتي المؤمن بعقيدة معينة لها جذورها في الاصالة وادواتها في التجديد والحداثة لايمكن لنا تحقيق الرغبة في ايجاد سبل الحياة السوية القائمة على حفظ حقوق الاقلية لان المبدأ في ما مذكور اعلاه قد ياتي متناغما مع تعريف الديمقراطية التي تعني في مفهومها السياسي هي طريقة التداول السلمي للسلطة وحكم الاغلبية، بينما يرادف هذا التعريف خلطا عرفيا يرى في الديمقراطية حكم الشعب بتناغم افراده وهي الديمقراطية الليبرالية، وبالنتيجة ان الدستور العراقي تجاوز حقوق الاقلية ووفر قاعدة رصينة للاغلبية على حساب الاول الذي ظل ضعيف منذ عهود.

فحين يحدد الدستور معتقد الدولة بمفهوم الغالبية من الشعب ينبغي عليه ان يتخذ جملة تدابير في ما يلي:

1-  عدم سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام باعتبار ان الغالبية من افراد الشعب هم مسلمون والحاجة لسن قوانين تتناغم وطبيعة تعاليم دينهم امر ملح للغاية وخلافه يعد مشكلة كبيرة قد تؤدي الى نسف حقوق الاغلبية وهو خلاف ما معهود في العالم.

2-

لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحريات والحقوق الاساسية الواردة في تعاليم الاسلام.

هذه من البديهيات الشرعية التي تظهر للعلن عن كتابة نص دستوري يلائم فكر الاسلام وتعاليمه، وهنا الاشكال الوارد في دستور العراق الذي يعرف جهورية البلاد بالدولة الاتحادية والديمقراطية..!؟، مفهومان مبهمان للغاية، كيف لنا ان نتصور دولة منسجمة في العقيدة والفكر بين افراد شعبها بانها دولة اتحادية فيدرالية فما جدوى لقاء شعبها في المعتقد اذن وهم مختلفون من حيث المبدأ على الارض..؟

هذا من باب من باب اخر ان المادة التي تعرف الدين للدولة وتتابع تعاليمها في حفظ عنوان الدولة هي عارضت ما جاء من موارد في مواد اخرى من نفس الدستور فالمادة 14 من القانون نفسه تذكر: على ان العراقيون متساوون امام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الراي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي.

ما ذكر جميل وحسن للغاية لكنه لا يتفق مع ما ورد في تعريف مفهوم الدولة العراقية على انها دولة لها كيان ودينها الرسمي الاسلام اتسائل/ هل ان المادة 14 من الدستور تضع العراقيين دون تمييز في الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الراي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي، تضعهم امام حكم الواقع بعد تعريف دين الدولة الذي اعترف الدستور به سلفا..؟، لا ادري ان كان يريد المشرع ان يقدم اطياف العراق بشكل متساوي امام تعاليم نصوص الاسلام الذي اعترف بها الدستور في تشريعاته بانها الاساس وغيرها دون ذلك..؟، واذا كان الامر كذلك فهنا بيت القصيد في معنى الدفاع عن حقوق الاغلبية على حساب الاقلية وهو خلاف ما اوردته المادة 14

خصوصا وان المادة 13 من نفس الدستور قالت ان هذا الدستور  القانون الاسمى والاعلى في العراق ويكون ملزما في انحائه كافة، وبدون استثناء، اجهل تماما أي الزام يريد الدستور تطبيقه على الشعب في ظل هذه تناقض ادوات تكافل الحريات وحقوق الاقليات..؟.

يبدو لي ان الدستور كتب بطريقة مشاكسة وفضفاضة دون تركيز وعناية في مجمل ما ورد فيه ولو فتحنا النقاش حوله من الغلاف الى الغلاف لاحتجنا الى دراسة تفصيلية اكثر دقة وبيانا من هذا المقال، ما اراه مناسبا في وصف الحال للعراق الجديد ان تكون طبيعة الدستور فيه شكلا مرنا يتعاطى بايجابية مع مفهوم الحكم الليبرالي الذي يؤكد على حماية حقوق الاقلية والحفاظ على الافراد بشكل شامل دون تمايز.

خصوصا وان منحى الاقليات اخذ يزداد عمقا بين جذور افراد المجتمع العراقي فحتى الاسلام الذي يتحدث عنه الدستور بانه دين دولة العراق فهو دين منقسم الى (اسلام اغلبية) و(اسلام اقلية) اسلام الاغلبية يرى مصالح جماعته مع تشريعات متونه المختلفه التي يعتبرها نصوصا ثابتة ومقدسة وهي مفصل الخير للبشر رغم ان مصادر تلك المتون تؤكد على نظرية السعادة الذاتية في المعتقدات الغيبية التي تقف في محطة ما وراء الخيال دون تجاوز هذا الحد الافتراضي، بينما يرى الفريق الاخر الذي اعتبره اسلام الاقلية بان تشريعات دينه ومصادر بياناته امور لا يمكن الوقوف عندها بمقدار ما يدعوه الواقع الى انسنة حياته بمعتقده أي لا يمكن له تصور روح الشر بعد مبالغة نصوص كتابه او احاديث رجاله في وصفها الخارج عن تقبل العقل لها، هذا الفريق من الناس لا ادري ان كان دستور العراق يعتبرهم مصدر الهام شريعة دولته ام هم خلاف ما تتصوره جماعة دولته وبالتالي الامور تبقى شائكة حتى حين توفر مخرج قانوني يفصل عناصر الدستور (الديمقراطي)..!!، بشكل يتلائم وطبيعة الفكر الحديث الذي يعارض بالتفصيل الدائرة الضيقة للفكر المغبر .