AddThis Social Bookmark Button

alt

 

العراق بعد 11 سنة.. هل خاب حملنا؟

 

 


رشيد الخيّون
كنا في مثل هذا اليوم، الأربعاء 9 أبريل قبل 11 سنة، نراقب معركة بغداد الأخيرة، وبمحض المصادفة نشرت لي، وفي ذلك التاريخ، «الشرق الأوسط» مقالاً عنوانه «صبح الأصباح»، على أن يتحقق الخلاص من حقبة مأساوية، بما عبر عنه الأقدمون بـ«الفرج بعد الشدة»، ولم يكن في حسابنا أن يتحول المنتظرون للفرج معنا إلى أكثر من الشدة نفسها.

بُثت صور سقوط التمثال، وانتبهنا إلى الرأس وقد غطي بالعلم الأميركي، حينها شعرنا بالضيق، إلا أن فرحتنا بعهد جديد غطى عليها، وحسبناها من تداعيات الحالة، وما هي إلا ساعات ويبدأ العد التنازلي بهجوم الشطار والعيارين على المتحف العراقي، ودوائر الدولة، ورأينا موقف المحتل السلبي وكأن الأميركيين يريدون تقديمنا إلى العالم بهذه الهمجية. فأخذنا نتساءل: كيف فتحت بوابة المتحف الحصينة لأسراب الجراد؟ وكلما تحدثنا يُرد علينا بالعبارة: «هذه نظرية المؤامرة»! أقول لو أن مدينة جنيف نفسها، على مستوى تحضرها، تركت بلا شرطة وحراس لواجهت ما واجهته بغداد في ذلك اليوم.

كنا لحظتها مجموعة من كتاب وشعراء نجلس في مقهى، أحدنا صعد على الطاولة، وأخذ يعبر عن فرحته بما يشبه الهستيريا، لم نتحدث حينها بمنطق طائفي، فالدكتاتورية كانت عابرة للأديان والمذاهب. بعد اغتصاب الفرحة، من قِبل الطائفيين، تذكرتُ أن صاحبي الذي أخذته هستيريا الفرح، كان سُنياً! وعندما عاد يراجع دوائر بغداد لاستعادة حقه في التقاعد اكتشف أنه يتحمل وزر 1400 عام، وأنه وصدام حسين كانا سُنيين لا عراقيين! لا يُحكم على المجتمع كافة بهذه المثلبة، غير أن مانحي التقاعد أو حاجبيه تصرفوا هكذا، وعلى صاحبنا تحمل الوزر!

صادفت الذكرى الخامسة الأربعاء، التاسع مِن أبريل 2008، وهذه الحادية عشرة تُصادف الأربعاء أيضاً، فأخذتُ أجمع حوادث هذا اليوم عِبر القرون، فوجدت ما يشبه العجائب باقترانها به، فسطرتها تحت عنوان «نواحس الأربعاء»، وقلت: «لقد اختلطت المشاعر في أربعاء ما قبل خمس سنوات، بين نَحس وسَعد، وكانت الدهشة تطوي الأجواء: أين ذهبوا! قادة الأمس! هل هم لدى الأميركيين يجلسون على الأرائك لصفقة ما! أم يعدون العدة للعودة من بين السهول والبطاح! في تلك اللحظات آمن المتضررون، ومَن أفئدتهم على العراق، بقول الشاعر الجاهلي: لا يصلح الناس فوضى لا سُراة لهم/ ولا سُراة إذا جهالهم سادوا (الأحكام السلطانية). أما الأميركيون فبطريقة، لا يفهم نسبيتها روبرت إينشتاين نفسه، جعلوا لهم السراة والجهال، يغزون بعضهم ببعض، حتى كرسوا فينا ما قاله المنجمون في الأربعاء: قليل الخير... يوم نَحس (عجائب المخلوقات)».

كانت عاطفة الانتقام طاغية، كأن هناك قوائم حملها المنتقمون عبر الحدود، وأول المنتقم منهم المغني داوود القيسي (قُتل 2003). صحيح أنه كان مطرب «البعث» من أول أيام السلطة، والتي جاءت يوم أربعاء أيضاً (17 تموز 1968)، لكنه كان مغنياً لا أكثر، وسمعنا ممَن ساعدهم في ذلك الوقت وكان من غير المرغوب بهم في مجال الإذاعة والتلفزيون.

ثم امتد الانتقام إلى ضباط الجيش، من قادة وطيارين، حتى شمل طبقات المجتمع كافة. كان لدينا شعور بأن هذا الانتقام لا يبقي ولا يذر، وستتوالد انتقامات، فذَكَّرنا بتحريض سديف بن ميمون (قُتل 146 هـ) «لا تسمعوا نصحية سُديف» (أبريل 2003)، وهو من الشعراء السود الذين أخلصوا بحبهم لبني هاشم، فجاء مندفعاً مع العباسيين بما قاله: «جرِّد السيف وارفع السَّوطَ حتى لا ترى فوق ظهرها أُموياً/ لا يَغُرَّنك ما ترى مِن رجال/ إن تحت الضلوع داء دويا/ بَطن البَعضُ في القديمِ وأضحى/ ثاوياً في قلوبهم مطوِيا» (ابن المعتز، طبقات الشعراء).

بيد أن نصحية «سديف» رفعت شعاراً، ولو درست حياة هذا الشاعر لم تجد له فناً غير الكراهية، مع أنه لو تفرغ لفن آخر، وهدأ بسقوط الأمويين، بعد أن بدأوا في بث الكراهية بإشهار السَّب والشتم من على المنابر، لكان أشعر غزلا حتى مِن كُثير عزة (ت 105 هـ) نفسه، فيُذكر له، وهو من أجزله: «أعِيبُ التي أهوى وأُطري جوارياً/ يَرينَ لها فضلا عليهن بيِّناً/ بِرغمي أطيل الصَّد عنها إذا بدت/ أحاذرُ آذاناً عليها وأعينا» (المصدر نفسه).

ثبت بعد 11 سنة أن الانتقام، وإظهار السطوة الطائفية، قد ساهم في شدة الإرهاب، وأولها إعلان الاجتثاث، وحل أجهزة الشرطة، من المرور إلى حرس الحدود وحتى عسس الليل، وكأن هناك توصية لإعانة الإرهاب، ومن يتحدث عن أمن وأمان لينظر ماذا حصل بأُم البرتقال «بهرز» الجميلة، بعد كل هذه السنين.

لقد ثبت خلال إحدى عشرة سنة أن القائمين على بغداد، على اعتبارها صرة العراق الفيدرالي، لم يحسنوا سياسة الدولة، وليسوا من رجالها، إنما يحسنون خلق الأزمة تلو الأزمة، وتأسيس سلطة حزبية لا كيان الدولة الرحبة. حلوا ببغداد غزاةً للعقارات، بحجة أنها أملاك العدو، تحل صلاتهم فيها.

اعتبروا كل خطوة خطوها هي الحق، بداية من الإسراع في الانتخابات الأولى وعدم تثبيت فسحة انتقالية كافية؛ كفترة نقاهة واستراحة للمجتمع مما عانى منه، وقالوا إن الانتخابات ستقطع دابر الإرهاب! ولما قيل لهم تريثوا بالمحاكمات وبتنفيذ إعدام صدام حسين (2006) ردوا كاذبين بأنه سيُهرب! وعندما قيل لهم: لتكن المحاكمة الأولى على قضية غير «الدجيل»، ردوا كاذبين أيضاً: ليس لدينا مستلزمات القضايا الأخرى! وأخيراً فهمنا لماذا يظهر فلان بن فلان، وفي ظل أوضاع قلقة طائفياً للغاية، يوقع تنفيذ الإعدام! لأنه يريد إثبات إنجاز له، هذا ما قاله القاضي الذي تصرف بروح الانتقام من دون مراعاة للدماء. حصيلة الكلام أن أسباب الإرهاب داخلية قبل أن تكون خارجية، وإذا لم تعالج لا يحسم المعركة معه جيش منخور بالطائفية.

لا يوافق ويدافع عن نحر الثروة بالفساد، وإقصاء الكفاءات، إلا من غلب عليه الجهل أو مستفيد من حداثة النعمة! فلا يزايد على أوجاعنا من النظام السابق، إذا قلنا إن العراق سيتلاشى مع النظام الحاضر، حتى أخذ حلمنا يتناقص. أما القوم، فيعدون كل أفعالهم نجاحاً، مثلما عند السابقين كانت انتصاراً. أختم ببشار بن برد (قُتل 161 هـ): «ماذا عليهم ومالهم خرسوا/ لو أنهم في عيوبهم نظروا» (الأصفهاني، كتاب الأغاني). مع أن كل ما حصل يشير إلى عيبٍ.


الاتحاد الإماراتيَّة 

..